أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
57
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الفاعل ، واستعير ضمير النصب في مكان ضمير الرفع ؟ أو التاء فاعل أيضا ، والكاف ضمير في موضع المفعول الأول ؟ ثلاثة مذاهب مشهورة - الأول : قول البصريين ، والثاني : قول الفراء ، والثالث : قول الكسائي ، ولنقتصر على بعض أدلة كل فريق ، قال أبو علي : قولهم : أرأيتك زيدا ما فعل ، بفتح التاء في جميع الأحوال ، فالكاف لا يخلو أن يكون للخطاب مجردا ، ومعنى الإسمية مخلوع منه ، أو يكون دالا على الاسم مع دلالته على الخطاب ، ولو كان اسما لوجب أن يكون الاسم الذي بعده هو هو ، لأن هذه الأفعال مفعولها الثاني هو الأول في المعنى ، لكنه ليس به فتعين أن يكون مخلوعا منه الإسمية ، وإذا ثبت أنه للخطاب معرى من الإسمية ، ثبت أن التاء لا تكون لمجرد الخطاب ، ألا ترى أنه لا ينبغي أن تلحق الكلمة علامتا خطاب كما لا يلحقها علامتا تأنيث ، ولا علامتا استفهام ، فلما لم يجز ذلك أفردت التاء في جميع الأحوال ، لما كان الفعل لا بدّ له من فاعل ، وجعل في جميع الأحوال على لفظ واحد ، استغناء بما يلحق الكاف ، ولو لحق التاء علامة الفروع لاجتمع علامتان للخطاب ، مما كان يلحق التاء ، ومما كان يلحق الكاف ، فلما كان ذلك يؤدي إلى ما لا نظير له رفض ، وأجرى على ما عليه سائر كلامهم » . وقال الزجاج - بعد حكايته مذهب الفراء - . وهذا القول لم يقله النحويون القدماء ، وهو خطأ ، لأن قولك : أرأيتك زيدا ما شأنه . لو تعدت الرؤية إلى الكاف ، وإلى زيد ، لصار المعنى : أرأيت نفسك زيدا ما شأنه ، وهذا محال . ثم ذكر مذهب البصريين . وقال مكي بن أبي طالب - بعد حكايته مذهب الفراء : وهذا محال ، لأن التاء في الكاف في « أَ رَأَيْتَكُمْ » فكان يجب أن تظهر علامة جمع التاء ، وكان يجب أن يكون فاعلان لفعل واحد ، وهما لشيء واحد ، ويجب أن يكون معنى قولك : أرأيتك زيدا ما صنع ، أرأيتك نفسك زيدا ما صنع ، لأن الكاف هو المخاطب ، وهذا محال في المعنى ، ومتناقض في الإعراب ، والمعنى ، لأنك تستفهم عن نفسه في صدر السؤال ثم ترد السؤال إلى غيره في آخره ، وتخاطبه أولا ، ثم تأتي بغائب آخر ، أو لأنه يصير ثلاثة مفعولين ل « رأيت » ، وهذا كله لا يجوز . ولو قلت : أرأيتك عالما بزيد لكان كلاما صحيحا ، وقد تعدى « رأى » إلى مفعولين . وقال أبو البقاء - بعد ما حكى مذهب البصريين - : والدليل على ذلك أنها - أي : الكاف - لو كانت اسما لكانت إما مجرورة ، وهو باطل ، إذ لا جار هنا ، وإما مرفوعة ، وهو باطل أيضا ، لأمرين : أحدهما : أن الكاف ليست من ضمائر الرفع . والثاني : أنها لا رافع لها ، إذ ليست فاعلا ، لأن التاء فاعل ، ولا يكون لفعل واحد فاعلان ، وإمّا أن تكون منصوبة ، وذلك باطل لثلاثة أوجه : أحدها : أن هذا الفعل يتعدى إلى مفعولين ، كقولك : أرأيت زيدا ما فعل ، فلو جعلت الكاف مفعولا لكان ثالثا . والثاني : أنه لو كان مفعولا لكان هو الفاعل في المعنى ، وليس المعنى على ذلك ، إذ ليس الغرض : أرأيت نفسك ، بل أرأيت غيرك ، ولذلك قلت : أرأيتك زيدا ، وزيدا غير المخاطب ، ولا هو بدل منه . والثالث : أنه لو كان منصوبا على أنه مفعول ، لظهرت علامة التثنية والجمع والتأنيث في التاء ، فكنت تقول : أرأيتما كما ، أرأيتموكم ، أرأيتكن . ثم ذكر مذهب الفراء ، ثم قال : وفيما ذكرنا إبطال لمذهبه » . وقد انتصر أبو بكر بن الأنباري لمذهب الفراء ، بأن قال : لو كانت الكاف توكيدا لوقعت التثنية والجمع بالتاء ، كما يقعان بها عند عدم